أبي طالب المكي
394
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
المسلمان فتصافحا ، فتبسم أحدهما إلى صاحبه تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر . وفي لفظ الحديث الآخر : قسمت بينهما مائة رحمة تسعة وتسعون لأنسهما بصاحبه وأحسنهما بشرا . وروينا في الخبر : خير الأصحاب عند الله عزّ وجلّ أرفقهم بصاحبه ، وخير الجيران أرفقهم بجاره ، وإياك أن تصحب جاهلا فتجهل بصحبته ، أو غافلا عن مولاه متبعا لهواه فيصدك عن سبيله فتردى ، كما قال سبحانه وتعالى : * ( فَاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) * [ يونس : 89 ] . فأول الاستقامة صحبة العلماء بالله عزّ وجلّ وقال تعالى : * ( ولا تُطِعْ من أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ ) * [ الكهف : 28 ] . وقال تعالى : * ( فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها من لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى ) * [ طه : 16 ] . أي فتكون رديا وقيل فتهلك وقال تعالى : * ( فَأَعْرِضْ عَنْ من تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا ) * [ النجم : 29 ] . ففي دليله الإقبال بالصحبة على من أقبل إلى ذكره تعالى ، والإعراض عمن أعرض عن وجهه ، فلا تصحبن إلَّا مقبلا عليه كما قال الله عزّ وجلّ : * ( واتَّبِعْ سَبِيلَ من أَنابَ إِلَيَّ ) * [ لقمان : 15 ] . وإياك أن تصحب من الناس خمسة : المبتدع والفاسق والجاهل والحريص على الدنيا والكثير الغيبة للناس ، فإن هؤلاء مفسدة للقلوب مذهبة للأحوال ، مضرة في الحال والمآل . وقد كان سفيان الثوري رحمه الله يقول : النظر إلى وجه الأحمق خطيئة مكتوبة وقال سعيد بن المسيب : لا تنظروا إلى الظلمة فتحبط أعمالكم الصالحة ، ولكن قد كان صعصعة بن صوحان يقول : إذا لقيت المؤمن فخالطه مخالطة ، وإذا لقيت المنافق فخالفه مخالفة ، وقد قال : أحسن الواصفين في وصف أوليائه المتّقين ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا : سلاما أي سلامة ، الألف بدل من الهاء لازدواج الكلم ، والمعنى ، أي سلمنا من إثمكم وسلمتم من شرنا . وقد كان أبو الدرداء يقول في زمانه : كان الناس ورقا لا شوك فيه ، وهم اليوم شوك لا ورق فيه ، إن ناقدتهم ناقدوك ، وإن تركتهم لم يتركوك ، فأقرضهم من عرضك ليوم فقرك . وكان يقول : كل يوم أصبح لا يرميني الناس فيه بداهية أعده نعمة من الله تعالى عليّ ، وقال حكيم الحكماء صلى الله عليه وسلم : « من خالط الناس وصبر على أذاهم ، أفضل ممن لم يخالطهم ولم يصبر على أذاهم » . وقال العلام ذو الجلال والإكرام : * ( أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) * [ القصص : 54 ] . أي يدفعون بالكلام الحسن السيئ وقال عزّ وجلّ في الكلام المفسر : * ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) * [ فصلت : 34 ] . يعني بالكلمة الحسني : * ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) * [ فصلت : 34 ] ثم قال عزّ وجلّ * ( وما يُلَقَّاها ) * يعني الكلمة : * ( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ) * [ فصلت : 35 ] . أي على أمر الله تعالى وعلى الغيظ ، وعن الغضب : * ( وما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٌّ عَظِيمٍ ) * [ فصلت : 35 ] .